اسماعيل بن محمد القونوي
31
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 18 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 18 ) قوله : ( أَ لَمْ تَرَ [ الحج : 18 ] ) الخطاب عام لمن يتأتى منه الرؤية البصرية أو العلمية أو خطاب للرسول عليه السّلام والاستفهام لإنكار النفي وتقرير المنفى . قوله : ( يتسخر لقدرته ولا يتأبى عن تدبيره ) أشار به إلى أن السجود وهو وضع الجبهة والأنف على الأرض على سبيل التذلل في العرف استعير لتسخر هذه الأمور وانقيادها لقدرة اللّه تعالى إما اختيارا أو طبعا والجامع مطلق الانقياد والحصول على وفق الإرادة وأمره التكليفي في العقلاء أو التكويني في الجميع وفي كلامه رد على من قال بعموم المشترك متمسكا بهذه الآية ونحوها حيث قال وما نسب إلى العقلاء يراد به وضع الجبهة وإلى ما نسب إلى غير العقلاء يراد به الانقياد فيكون السجود عنده حقيقة في التسخر والانقياد أيضا والمص لما حمل على التسخر والانقياد ولم يتعرض هنا معنى وضع الجبهة على الأرض فهم منه أن المص لم يرض التمسك المذكور والحاصل أن المص حمل السجود هنا على معناه اللغوي وهو الانقياد والتذلل وهو عام للإنسان والحيوان والجماد . قوله : ( أو يدل بذلته على عظمة مدبره ) عطف على يتسخر أي يدل دلالة الحال لذلته واحتياجه على عظمة مدبره فيكون السجود مجازا عن هذه الدلالة لأن السجود مستلزم لها لكنه لكونه متعارفا للانقياد لكونه معنى لغويا له ومستعارا من معناه العرفي قدمه . قوله : ( ومن يجوز « 1 » أن يعم أولي العقل وغيرهم على التغليب فيكون قوله : قوله : يتسخر لقدرته ولا يتأبى عن تدبيره بيان لاستعارة السجود الذي هو وضع الجبهة على الأرض خضوعا للّه تعالى لتسخرهم وانقيادهم لقدرة اللّه تعالى فيما يحدث فيها من أفعاله لعلاقة الحصول على وفق إرادته ومشيئته تعالى من غير امتناع كقوله عز من قائل : إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] فاستعمل اللفظ الموضوع للأول في الثاني . قوله : أو يدل بذله على عظمة مدبره وهذا مبنى على أن يكون استعمال السجود على طريق المجاز المرسل من حيث إنه ذكر السجود الذي هو غاية التذلل والتواضع للّه وأريد لازمه الذي هو الدلالة على تعظيم الخالق . قوله : فيكون قوله والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب أفرادا لها بالذكر لشهرتها واستبعاد ذلك يعني إذا كان من في أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ [ الحج : 18 ]
--> ( 1 ) فحينئذ يدخل نفس السماوات والأرض إذ المراد بمن فيهما ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما أو خارجا عنهما متمكنا فيهما .